الشنقيطي
428
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
محفوظ من كل شيطان رجيم ؛ كقوله : وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 17 ) [ الحجر : 17 ] ، وقد بيّنا الآيات الدالّة على حفظها من جميع الشياطين في سورة « الحجر » . وأما كون الكفار معرضين عما فيها من الآيات فقد بينه في مواضع من كتابه ؛ كقوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ( 105 ) [ يوسف : 105 ] ، وقوله : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا [ القمر : 2 ] الآية ، وقوله : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [ يونس : 96 - 97 ] ، وقوله : وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 101 ) [ يونس : 101 ] . قوله تعالى : وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ( 34 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ 34 - 35 ] . قال بعض أهل العلم : كان المشركون ينكرون نبوّته صلّى اللّه عليه وسلّم ويقولون : هو شاعر يتربّص به ريب المنون ، ولعله يموت كما مات شاعر بني فلان ؛ فقال اللّه تعالى : قد مات الأنبياء من قبلك ، وتولّى دينه بالنصر والحياطة ، فهكذا نحفظ دينك وشرعك . وقال بعض أهل العلم : لمّا نعى جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نفسه قال : « فمن لأمّتي » ؟ فنزلت وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ والأوّل أظهر ؛ لأنّ السورة مكية : ومعنى الآية : أن اللّه لم يجعل لبشر قبل نبيّه الخلد ؛ أي دوام البقاء في الدنيا ، بل كلّهم يموت . وقوله : أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ استفهام ، إنكاري معناه النفي . والمعنى : أنك إن مت فهم لن يخلدوا بعدك ، بل سيموتون . ولذلك أتبعه بقوله : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ . وما أشار إليه جل وعلا في هذه الآية من أنه صلّى اللّه عليه وسلّم سيموت ، وأنهم سيموتون ، وأن الموت ستذوقه كل نفس - أوضحه في غير هذا الموضع ؛ كقوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) [ الزمر : 30 ] ، وكقوله : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) [ الرحمن : 27 ] ، وقوله في سورة « آل عمران » : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [ آل عمران : 185 ] ، وقوله في سورة « العنكبوت » : يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ( 56 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 57 ) [ العنكبوت : 56 - 57 ] ، وقوله تعالى في سورة « النساء » : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [ النساء : 78 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا في سورة « الكهف » استدلال بعض أهل العلم بهذه الآية الكريمة على موت الخضر عليه السلام . وقال بعض أهل العلم في قوله : فَهُمُ الْخالِدُونَ ( 34 ) : هو استفهام حذفت أداته ؛ أي أفهم الخالدون . وقد تقرر في علم النحو أن حذف همزة الاستفهام إذا دل المقام عليها جائز ، وهو قياسي عند الأخفش مع « أم » ودونها ذكر الجواب أم لا : فمن أمثلته دون « أم » ودون ذكر الجواب قول الكميت :